عن هذه النسخة
نُشر هذا المقال في الأرشيف الشخصي في 15 تشرين الأول 2026. وهذه ترجمته العربية الكاملة، أُضيفت في 18 تشرين الأول 2026.
نُشر النص الأصلي في نيوزويك بتاريخ 14 كانون الثاني 2015، بقلم سايمون سبيكمان كوردال. تعكس الوقائع والأوصاف الواردة فيه زمن نشره الأصلي.
أثّرت جرائم القتل التي وقعت في مقرّ شارلي إيبدو يوم الأربعاء بشدّة في السوري طارق الغوراني. تقول لي صديقته إنه بات شارد الذهن منذ وصول الأخبار الأولى؛ فقد أثارت أحداث باريس ذكريات كثيرة. يعرف طارق، أكثر من معظم الناس، الثمن الباهظ الذي قد يكلّفه الضحك في وجه الرعب.
في عام 2006، قبل أن تصبح سوريا مرادفاً للمجازر والعنف الطائفي الجهادي، حُكم على طارق بالسجن سبع سنوات في سجن صيدنايا سيئ الصيت، لأنه تجرّأ على السخرية من نظام الرئيس بشار الأسد في مدوّنته «الدومري السوري». وبعد إطلاق سراحه عام 2011، واصل معارضته للنظام الذي سجنه وعذّبه، وشارك آخرين في حملة غرافيتي أفضت إلى مقتل أصدقائه، وفي نهاية المطاف إلى فراره من سوريا. ومع ذلك، وسط دخان حانة مزدحمة في وسط تونس، يضحك طارق. يضحك كثيراً. يروي لي كيف ضحك عندما نطق القاضي بالحكم: «نظرت إليه وقلت: سبع سنوات؟ أنت لن تكون هنا بعد سبع سنوات».
بالنسبة إلى نظام يحظر الانتقاد، تمثّل الفكاهة تهديداً يكاد يكون قاتلاً. كان كثيرون ممن سُجنوا مع طارق في صيدنايا مسؤولين عن أعمال إرهابية أودت بحياة المئات. ومع ذلك، كان الحكم عليه بسبب السخرية من النظام بطول أحكامهم. يقول: «الإضحاك ليس سهلاً، لكنه وسيلة مثالية لإيصال فكرة إلى شخص آخر. الفكاهة تجذب الناس. وتكسبك متابعين أكثر، وهذا يجعلك، في نظر الحكومة، أكثر خطورة. بالفكاهة تستطيع أن تفعل أي شيء. تستطيع أن تعبّر عن رأيك بذكاء». يتوقف طارق ليسأل نفسه: «الفكاهة؟ الفكاهة تفعل كل شيء».
ليس كل شيء مضحكاً. فلا شيء يُذكر من الفكاهة في «حفلة» الفلقة التي استُقبل بها طارق عند وصوله إلى صيدنايا. تخبو الحيوية في وجهه: «يطوون جسمك داخل إطار سيارة، فلا تستطيع الحركة. ثم يضعون قضيباً حديدياً سميكاً هنا»، ويشير إلى خلف ركبته. «بعد ذلك يضربون ساقيك بالعصي حتى يسودّ جسمك من الضرب. عندما تعذّبك الأجهزة الأمنية أثناء التحقيق، تعرف أنك إن أعطيتهم شيئاً فسيتوقفون، ولو قليلاً. أما حين يضربك حرّاس السجن، فليس لديك شيء. لا تستطيع قول شيء. إنه الضرب فقط».
وبالمثل، لا يمكن العثور على ما يضحك في مقتل صديقه نزار رستناوي. يقول: «وضعونا مع الجهاديين، مع القاعدة وبدايات ما يُعرف اليوم بداعش… في عام 2008، تمرّد السجناء وسيطروا على السجن. جاءت مجموعة من الجهاديين، ولم نعرف قطّ من هم، لأخذ نزار. نقلوه إلى طابق آخر وضربوه بأنابيب المياه. حين وجدناه، كان رأسه بهذا الحجم»، ويشير بيديه إلى ما يقارب حجم بطيخة كبيرة. «لم نستطع التعرّف إليه. عرفناه فقط من القميص الذي كان يرتديه».
نشأ طارق في دمشق الثمانينيات، ابناً لرجل يدير عملاً تجارياً صغيراً. يقول: «يقولون لي إنني كنت أمزح دائماً. كنت دائماً أدبّر شيئاً، أؤلّف أغاني ونكات وما شابه». صار منذ طفولته قارئاً نهماً، يلتهم كل ما لم تحظره الرقابة ويطبّقه على الحياة في سوريا. وبالاستناد إلى منهج الشكّ عند ديكارت، يشرح كيف تنامى ارتيابه في النظام، حتى قاده ذلك إلى حياة على الإنترنت. انضمّ أولاً إلى منتدى النقاش الإلكتروني «أخوية»، ثم أسّس مع آخرين مدوّنة «الدومري السوري» الساخرة والسياسية في عام 2003، قبل ثماني سنوات من مساهمة وسائل التواصل الاجتماعي في دفع ثورة اجتاحت العالم العربي.
خرج طارق من السجن عام 2011، إلى سوريا تعيش البدايات الأولى لثورة علمانية ديمقراطية كان مصيرها المأساوي أن تنزلق إلى العنف والطائفية. ومرة أخرى، رغم ما تعرّض له من ضرب وتعذيب، شعر طارق بأنه مضطر إلى حمل السلاح في وجه النظام الذي أخذ سبع سنوات من حياته. هذه المرة، كان سلاحه علبة بخّاخ دهان.
«الغرافيتي أساسي، لأنك به تكسر الجدار، تكسر الجدار داخل عقول الناس، فالناس يخافون الجدار. يقولون لك: هسّ… للحيطان آذان. لا تقل شيئاً». بالنسبة إلى طارق وأصدقائه، كان الغرافيتي يعني التحدّي والأمل. «منذ أكثر من أربعين سنة، كل ما نراه هو صور بشار الأسد وأبيه. هذا كل ما يراه الناس كل يوم. بالغرافيتي نستطيع كسر ذلك. نستطيع كسر هذا الجدار. عندما تخرج مظاهرة ويُطلق الرصاص على الناس، يأتي التلفزيون بعدها ويقول إنه لم يحدث شيء هناك، ويصوّر المكان فارغاً. بالغرافيتي نستطيع أن نقول: كنّا هنا، هؤلاء شهداؤنا، وما زلنا هنا».
وبإلهام من حملات مشابهة في إيران ومصر، انتقل طارق من رسم الغرافيتي إلى صنع القوالب التي تتيح للشباب السوريين استنساخ الصور على نطاق واسع. ظهرت قوالب أخرى، بعضها يسخر من شبه الأسد بهتلر، وبعضها يستثمر كثيراً المعلومة المسرّبة عن أن زوجة الرئيس، أسماء الأسد، كانت تدلّله بلقب «البطّة»، في مفارقة مع معنى اسم عائلته. كانت تلك هديّة استمتع بها طارق.
قُتل تسعة من أصدقاء طارق خلال تلك الحملة. ولا تزال عائلاتهم في سوريا، لذلك يجب أن تبقى هوياتهم سرّية. لكن خبر مقتل أحدهم، نور حاتم زهرة، أُعلن، واجتذبت جنازته آلاف الشباب السوريين الساخطين. ولا يزال تسجيلها متاحاً على يوتيوب.
غادر طارق سوريا عام 2012 بعدما علم أن النظام يطلبه مرة أخرى، لكن هذه المرة لا ليعتقله، بل ليقتله. ذهب أولاً إلى الأردن، ثم انتقل لاحقاً إلى الأمان النسبي في تونس. يعمل الآن في المركز التونسي لحرية الصحافة، وليس أمامه خيار كبير سوى متابعة المذبحة التي باتت تطبع بلده من بعيد. ومع أن مشاركته تقلّصت، فإنه لا يزال منخرطاً في المقاومة السورية العلمانية التي يقودها الشباب. كان أحدث أعماله قالباً لزعيم داعش أبو بكر البغدادي، مأخوذاً مباشرة من صفحات شارلي إيبدو. يقول: «أردت أن أتضامن مع شارلي إيبدو. لا أعرف إن كانوا سيستخدمونه في الرقّة»، العاصمة الفعلية لتنظيم الدولة الإسلامية، «لكنهم قد يفعلون».
«لا يمكن للسخرية ولمجلّات مثل شارلي إيبدو أن تتوقف. علينا أن نواصل الكفاح من أجل حرية التعبير. لا يمكننا التوقف أبداً. علينا أن نفعل ذلك من أجل الجميع، حتى يستطيعوا قول ما يريدون. إذا كتبت شيئاً لا يعجبني، أستطيع أن أكتب ما يقول إنك مخطئ. وإذا رسمت صورة تهاجمني، فسأردّ بصورة. هكذا، كلمة بكلمة، وتعليقاً بتعليق، نستطيع التقدّم. لا بالعنف. العنف لن يوقف شيئاً. العنف للديكتاتوريين وللإرهابيين، ولكل من يريد أن يجعلنا خائفين. لا، لن نعطيهم ذلك. علينا أن نواصل».